المنجي بوسنينة
120
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
قال له : « يا أمير المؤمنين إن بقي فإنه سيسيء إلى الشريعة ، وسيرتدّ خلق كثير ، وقد يؤدي الأمر إلى زوال سلطانك ، وقد وقع لك ما وقع ، فدعني أقتله وإن أصابك شيء فاقتلني » ، حينئذ أذن الخليفة له في قتله ، وبادر إلى تنفيذ الحكم على الفور ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من ذي القعدة عندما أعلنت الأبواق أنّ الوزير يتهيّأ لتنفيذ الحكم ، وكانت الشرطة قد أخذت الحيطة للأمر فأوصلته إلى مكان الإعدام ، وبات الحلّاج ليلة في نفس المكان . ولما كان الصباح أخرج إلى ساحة الإعدام بباب خراسان على الضفّة الغربية من دجلة ، ثمّ تلي أمر الخليفة بجلد الحلّاج ألف سوط ، فإن لم يمت تقطع يداه ورجلاه ، ثمّ يضرب عنقه . ذلك ما نفّذه السيّاف ، وحين سقط الرأس لفّت الجثة في حصير من القصب صبّ عليه النفط وأضرمت فيه النار حتّى احترقت الجثّة وحمل رمادها إلى باب الطاق في الضفة الشرقية لدجلة ليلقى به من أعلى المئذنة في النهر . سعت والدة الخليفة إلى الحصول على رأس الحلّاج ، فتمّ لها ذلك ووضعته في كنز الرؤوس بدار الخلافة مدّة سنة حمل بعدها إلى خراسان . وفي ثنايا الكتب نلمس عمق التوجّه الحلّاجي التصوّفي ، ونتبيّن غنى آرائه رغم ما يشوبها من التعقّد والغموض والمفارقات من جرّاء تدخّل الوسطاء الرواة والمؤوّلين ، وتحريفات الخصوم بل ومزايداتهم لتأليب العامّة أو الخاصّة ضدّ الحلّاج ومنهم الحكام ، وبصفة عامّة فإنه بالإضافة إلى ما أشير سلفا من آراء ومواقف وممارسات الحلّاج فمن المؤكّد أنّ صاحبنا كان ظاهرة عرفانية اجتهدت في الاستكشافات اللدنية واستطلاع الحق من خلال المسلك والتعبير الأمر الذي جعل كثيرا من دارسيه يتباينون في إدراك توجهه العرفاني وتذوّقه الصوفي لما يلفهما من خلائط . الجوهري في سيرة الحلّاج أنه كان يعتبر التصوّف والحكمة جهادا في سبيل إحقاق الحق وليس مجرّد قرار انفرادي بين المتصوّف وبين الله تعالى ، إنه جهادا ضدّ الظلم والطغيان في النفس وفي المجتمع ، وبذلك يحق وصف الحلّاج بأنّه صوفي ملتزم ، وليس بالذي اختار التصوّف لغاية التصوّف في حد ذاته . يضاف إلى هذا الالتزام الإصلاحي أنّ الحلّاج أولى لترويض الجسد على احتمال الصعاب والشدائد حتّى لا تعود كذلك ، ولترويض النفس على إفناء الأنا في حب الله أولى لهذا أهمّية مركزية . ومفيد أن نورد هنا شهادة موضوعية بشأن الحلّاج لابن خلكان في وفيّات الأعيان إذ قال إنّ رسالة الحلّاج كانت هي « إغناء الحقائق الباطنية تصفية للنفس وتوجيها للمسلمين إلى علم الباطن ، واستفزاز وجدانهم الأخلاقي وكان هو على علم بأنه سيبتلى آخر الأمر بمثل هذه العاقبة » . جدير بالتنويه إلى أنه بعد إعدام الحلّاج كثرت الروايات والدراسات والنصوص الإبداعية المنوّهة بفضائله ومواقفه وممارساته وإلهاماته الصوفية وتفصيل القول عن محنته ومأساته ، فتحوّل من شيخ صوفي إلى إمام قيل بمهديته ورجعته ، وقامت طائفة نسبت إليه خطأ فكرة الحلول في منتصف القرن الخامس الهجري . وبعد عقود انتدب أبو حامد الغزالي الشافعي الأشعري للدفاع عن الحلّاج وتفنيد المآخذ عليه ، ثمّ تلاه عبد القادر الجيلي الحنبلي